السيد محمد تقي المدرسي

23

الإنسان وآفاق المسؤولية

بالزواج من الأميرة ؟ . . ومرت الليالي والأيام حتى بثت الأُم همّها وهمّ ولدها إلى بعض جاراتها فنصحنها بخطبة الأميرة لابنها وانتظار ما تصنع الأقدار . وبالفعل عملت الأُم بنصيحة جارتها وذهبت لخطبة الأميرة ، فشرطت الأميرة شرطاً واحداً لقبولها الزواج ، وكان الشرط أن يصلي الشاب الخاطب أربعين ليلة صلاة الليل . فما كان منه إلّا المبادرة إلى الموافقة ، فبدأت الأُم تعدُّ الليالي لولدها وهو مواظب شديد المواظبة على شرط الأميرة ، وانتبهت العجوز في إحدى الليالي إلى أن العدد قد تجاوز الأربعين بكثير ، فقالت لابنها : لقد حققت الشرط ويزيد ، فأعرب عن جهله ما تعنيه . . فأخبرته بأن الهدف من صلاته كان تحقيق شرط الأميرة وكسب رضاها ، فزاد الشاب من تعجب أُمه حينما سألها : وأية أميرة ؟ ! فأعادت أُمه عليه قصته هو ، وقد أخذتها الحيرة كل مأخذ ، ولكنه رفض الزواج بالأميرة مؤكداً أنه قد توصل إلى حقائق أغلى وأعز ممّا قد توفره له الأميرة ، وأنه لن يتزوج إلّا بامرأة حازت من المرتبة ما حاز به هو . . . من خلال هذه القصة الموجزة يكون لزاماً علينا أن لا نبيع أنفسنا في مقابل دنيا زائلة لا محالة ، وأن نسعى دوماً إلى الارتفاع بها نحو السعادة الأبدية . وأقولها بصراحة إن الشيطان وضغوط الحياة المادية لا تعكر على الإنسان صفاء روحه ما لم يتهاون ويسوّف . وإنني على يقين بأنّ عظماء الإسلام لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلّا بعد أن وفقهم الله تبارك وتعالى إلى الجدّ والإسراع في أعمال الخير ؛ حيث أثبتوا أنهم أهل لذلك .